أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
454
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
قلت : العلم النافع هو علم القلوب ، ومرجعه إلى تصفية القلوب من الرذائل وتحليتها بالفضائل . أو تقول : مرجعه إلى التخلية والتحلية ، فيبحث أولا عن عيوب النفس ، وعيوب القلب ، وعيوب الروح ، وعيوب السر ، فيطهر كل واحد من عيوبه ، فإذا تطهر من الجميع تحلى بصفات الكمال ، كالإيمان والإيقان والطمأنينة والمراقبة والمشاهدة ، وتحلى أيضا بالحلم والرأفة والسخاء والكرم والإيثار وسائر الأخلاق الحسنة ، فشعاع العلم الذي ينبسط في الصدر هو ثلج اليقين ، وبرد الرضا والتسليم وحلاوة الإيمان ومواجيد العرفان ، وينشأ عن ذلك مخافة اللّه وهيبته والحياء منه والسكون والطمأنينة وغير ذلك مما تقدم من الأخلاق الحسنة ، والقناع الذي ينكشف به عن القلب هو الغفلة ، وسبب الغفلة هو الرضا عن النفس ، وسبب الرضا عن النفس هو حب الدنيا الذي هو أصل كل خطيئة ، فمن حب الدنيا ينشأ الحسد والكبر ، والحقد والغضب ، والشح والبخل ، وحب الرياسة والقساوة ، والفظاظة والقلق ، وغير ذلك من العيوب . فإذا انكشفت هذه الأمور عن القلب انبسط فيه شعاع العلم الذي هو ثلج اليقين وبرد الرضا ، وما تقدم ذكره ، لأن العلم باللّه نور في القلب ، وينبعث منه شعاع ينبسط في الصدر ، فيكسبه الزهد في الدنيا ، فإذا زهد في الدنيا اتسع صدره باليقين والرضا والتسليم وغير ذلك من المحاسن ، فكشف القناع مقدم على بسط الشعاع ، فلو قدمه لكان أولى لأن التخلية مقدمة على التحلية ، فلو قال : هو الذي ينكشف به عن القلب قناعه وينبسط في الصدر شعاعه لكان أحسن ويحتمل أن يريد بانبساط الشعاع في الصدر نور الإسلام والإيمان وهي أنوار التوجه ، وبكشف القناع عن القلب كشف حجاب الحس وظلمة الكون ، فتبدو أنوار المواجهة وهي أنوار الإحسان وأسرار العرفان ، وعلى هذا يكون ترتيب كلام الشيخ حسنا ، واللّه تعالى أعلم . والحاصل : أن العلم الذي يوجب الخشية هو العلم النافع وغيره ليس بنافع ، وإليه أشار بقوله : 232 - خير علم ما كانت الخشية معه . فإن لم تكن خشية فلا خير فيه ، لأنه حجة على صاحبه ، وإليه أشار بقوله :